القرطبي
57
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الأبصار ، أي لا يعرفون كيفية حقيقة البصر ، وما الشئ الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه . ثم قال : " وهو اللطيف الخبير " أي الرفيق بعباده ، يقال : لطف فلان بفلان يلطف ، أي رفق به . واللطف في الفعل الرفق فيه . واللطف من الله تعالى التوفيق والعصمة . وألطفه بكذا ، أي بره به . والاسم اللطف بالتحريك . يقال : جاءتنا من فلان لطفه ، أي هدية . والملاطفة المبارة ، عن الجوهري وابن فارس . قال أبو العالية : المعنى لطيف باستخراج الأشياء خبير بمكانها . وقال الجنيد : اللطيف من نور قلبك بالهدى ، وربى جسمك بالغذاء ، وجعل لك الولاية في البلوى ، ويحرسك وأنت في لظى ، ويدخلك جنة المأوى . وقيل غير هذا ، مما معناه راجع إلى معنى الرفق وغيره . وسيأتي ما للعلماء من الأقوال في ذلك في " الشورى ( 1 ) " إن شاء الله تعالى . قوله تعالى : قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها وما أنا عليكم بحفيظ ( 104 ) قوله تعالى : ( قد جاءكم بصائر من ربكم ) أي آيات وبراهين يبصر بها ويستدل ، جمع بصيرة وهي الدلالة . قال الشاعر : جاءوا بصائرهم على أكتافهم * وبصيرتي يعدو بها عتد وآي ( 2 ) يعني بالبصيرة الحجة البينة الظاهرة . ووصف الدلالة بالمجئ لتفخيم شأنها ، إذ كانت بمنزلة الغائب المتوقع حضوره للنفس ، كما يقال : جاءت العافية وقد أنصرف المرض ، وأقبل السعود وأدبر النحوس ( فمن أبصر فلنفسه ) الإبصار : هو الإدراك بحاسة البصر ، أي فمن استدل وتعرف فنفسه نفع . ( ومن عمى ) لم يستدل ، فصار بمنزلة الأعمى ، فعلى نفسه يعود
--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 16 . ( 2 ) الذي في كتب اللغة : " راحوا . . . الخ " وأن هذا البيت للأسعر الجعفي . يقول : إنهم تركوا دم أبيهم وجعلوه خلفهم أي لم يثأروا به وأنا طلب ثاري . والعتد ( بفتح التا وكسرها ) : الفرس التام الخلق السريع الوثبة معد للجري ليس فيه اضطراب ولا رخاوة . والوآى ( بفتح الواو والمد ) : الفرس السريع المقتدر الخلق .